فخر الدين الرازي

699

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قال : وخلقك فحسن ، قال القفال : وهذا يحتمل وجوها أحدها : أن الكفار لما لقبوه بالساحر شق ذلك عليه جدا ، حتى رجع إلى بيته وتدثر بثيابه ، وكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر يقتضيه سوء الخلق ، فقيل له : قم فأنذر ولا تحملنك سفاهتهم على ترك إنذارهم بل حسن خلقك والثاني : أنه زجر عن التخلق بأخلاقهم ، فقيل له : طهر ثيابك أي قلبك عن أخلاقهم ، في الافتراء والتقول والكذب وقطع الرحم والثالث : فطهر نفسك وقلبك عن أن تعزم على الانتقام منهم والإساءة إليهم ، ثم إذا فسرنا الآية بهذا الوجه ، ففي كيفية اتصالها بما قبلها وجهان الأول : أن يقال : إن اللّه تعالى لما ناداه في أول السورة ، فقال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] وكان التدثر لباسا ، والدثار من الثياب ، قيل طهر ثيابك التي أنت متدثر بها عن أن تلبسها على هذا التفكر والجزع والضجر من افتراء المشركين الوجه الثاني : أن يفسر المدثر بكونه متدثرا بالنبوة ، كأنه قيل : يا أيها المتدثر بالنبوة طهر ما تدثرت به عن الجزع وقلة الصبر ، والغضب والحقد ، فإن ذلك لا يليق بهذا الدثار ، ثم أوضح ذلك بقوله : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [ المدثر : 7 ] واعلم أن حمل المدثر على المتصف ببعض الصفات جائز ، يقال : فلان طاهر الجيب نقي الذيل ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ويقال : فلان دنس الثياب إذا كان موصوفا بالأخلاق الذميمة ، قال الشاعر : فلا أب وابنا مثل مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان الأول : أن الثوب كالشئ الملازم للإنسان ، فلهذا / السبب جعلوا الثواب كناية عن الإنسان ، يقال : المجد في ثوبه والعفة في إزاره والثاني : أن الغالب أن من طهر باطنه ، فإنه يطهر ظاهره الوجه الثاني : في تأويل الآية أن قوله : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أمر له بالاحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة ، وهذا على تأويل من حمل قوله : وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [ الشرح : 2 ، 3 ] على أيام الجاهلية الوجه الثاني : في تأويل الآية قال محمد بن عرفة النحوي معناه : نساءك طهرهن ، وقد يكنى عن النساء بالثياب ، قال تعالى : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [ البقرة : 187 ] وهذا التأويل بعيد ، لأن على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 5 ] وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الرجز وجوها الأول : قال العتبي : الرجز العذاب قال اللّه تعالى : لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ [ الأعراف : 134 ] أي العذاب ثم سمي كيد الشيطان رجزا لأنه سبب للعذاب ، وسميت الأصنام رجزا لهذا المعنى أيضا ، فعلى هذا القول تكون الآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل المعاصي ، ثم على هذا القول احتمالان أحدهما : أن قوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ يعني كل ما يؤدي إلى الرجز فاهجره ، والتقدير وذا الزجر فاهجر أي ذا العذاب فيكون المضاف محذوفا والثاني : أنه سمي إلى ما يؤدي إلى العذاب عذابا تسمية للشيء ، باسم ما يجاوره ويتصل به القول الثاني : أن الرجز اسم للقبيح المستقذر وهو معنى الرجس ، فقوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ كلام جامع في مكارم الأخلاق كأنه قيل له : اهجر الجفاء والسفه وكل شيء قبيح ، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز ، وهذا يشاكل تأويل من فسر قوله : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدثر : 4 ]